عبد الله محمود شحاتة

856

تفسير القرآن الكريم

تمهيد : بعد أن نعى أهل الكتاب في الآية السالفة اشتراءهم الضلالة بالهدى بتحريفهم بعض الكتاب وإضاعة بعضه الآخر ، ألزمهم هنا بالعمل بما عرفوا وحفظوا بأن يؤمنوا بالقرآن ؛ ذلك أن إيمانهم بالتوراة يستدعى الإيمان بما يصدقها وحذرهم من مخالفة ذلك ، وتوعدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور . التفسير : 47 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ . أي : يا أيها اليهود والنصارى ، آمنوا بالكتاب الذي جاء مصدقا لما معكم ، من تقرير التوحيد والابتعاد عن الشرك ، وما يقوى ذلك الإيمان من ترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وتلك هي أصول الدين وأركانه والمقصد الأسمى من إرسال جميع الرسل ، ولا خلاف بينهم في ذلك ، وإنما الخلاف في التفاصيل ، وطرق حمل الناس عليها وهدايتهم بها ، وترقيتهم في معارج الفلاح بحسب السنن التي وضعها اللّه في ارتقاء البشر ، بتعاقب الأجيال ، واختلاف الأزمان . مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها . أي : آمنوا قبل أن يحل بكم العقاب من طمس الوجوه ، والرد على الأدبار : أي : من قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم التي توجهتم بها من كيد الإسلام ، ونردها خاسرة إلى الوراء بإظهار الإسلام ونصره عليكم ، وقد كان لهم عند نزول الآية شئ من المكانة والقوة والعلم والمعرفة . وجعل بعضهم الرد على الأدبار حسيا فقال : نردهم على أدبارهم بالجلاء إلى فلسطين والشام ، وهي بلادهم التي جاءوا منها . وخلاصة المعنى : آمنوا قبل أن نعمى عليكم السبيل بما نبصّر المؤمنين بشئونكم ونغريهم بكم ، فتردوا على أدباركم بأن يكون سعيكم إلى غير الخير لكم . أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ . أي : آمنوا قبل أن تقعوا في الخيبة والخذلان وذهاب العزة ؛ باستيلاء المؤمنين عليكم وإجلائكم عن دياركم كما حدث لطائفة منكم ، أو بالهلاك كما وقع بقتل طائفة أخرى وهلاكها . ثم هددهم وتوعدهم فقال : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا . المراد من الأمر : الأمر التكويني المعبر عنه بقوله عزّ من قائل : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . ( يس : 82 ) ، إنما أمره بإيقاع شئ ما نافذ لا محالة ، ومن هذا ما أوعدتم به قال ابن عباس : يريد لا رادّ لحكمه ولا ناقض لأمره ، فلا يتعذر عليه شئ يريد أن يفعله ، كما تقول في الشئ الذي لا شك في حصوله : هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد . والخلاصة : إنه يقول لهم : أنتم تعلمون أن وعيد اللّه للأمم السالفة قد وقع ولا محالة ؛ فاحترسوا وكونوا على حذر من وعيده لكم . * * *